الشيخ محمد علي طه الدرة

269

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وجمع تلك الكتب ، فجعلها في صندوق ، ودفنها تحت كرسيّه ، وقال : لا أسمع أنّ أحدا يقول : إنّ الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه ، فلمّا مات سليمان - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - وذهب العلماء الذين يعرفون أمر سليمان ، ودفنه الكتب ، وخلف من بعدهم خلف ، تمثّل لهم الشيطان على صورة إنسان ، فأتى نفرا من بني إسرائيل ، فقال لهم : هل أدلّكم على كنز لا تأكلونه أبدا ؟ قالوا : نعم . قال : فاحفروا تحت الكرسيّ ، فذهب معهم ، وأراهم المكان ، وأقام في ناحية ، فقالوا : ادن ، فقال : ولكنني ها هنا ، فإن لم تجدوه ؛ فاقتلوني ، وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي إلا احترق ، فحفروا ، وأخرجوا تلك الكتب . فقال الشيطان : إنّ سليمان كان يضبط الجنّ ، والإنس ، والشياطين ، والطّيور ، والرّياح وغير ذلك ، ويحكم فيهم بهذا ، ثمّ طار الشيطان ، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا ، وأخذت بنو إسرائيل تلك الكتب ، فلذلك كان أكثر ما يوجد من السّحر في اليهود ، فلمّا جاء سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم برأ اللّه سليمان من ذلك ، وأنزل تكذيبا لمن زعم ذلك : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ . . . إلخ انتهى . وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ أي : ما كان سليمان ساحرا ، ولا كفر بتعلّمه السّحر . وفيه تنزيه سليمان عن السّحر وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا أي : أنّهم كفروا باتّخاذهم السّحر ، وتعليمهم النّاس . هذا ؛ والسّحر كل ما لطف ودقّ . يقال : سحره : إذا أبدى له أمرا يدقّ عليه ، ويخفى . قال الغزاليّ في الإحياء ما نصّه : السّحر نوع يستفاد من العلم بخواصّ الجواهر ، وبأمور حسابيّة في مطالع النجوم ، فيتخذ من تلك الحواس هيكل على صورة الشّخص المسحور ، ويترصّد له وقت مخصوص من المطالع ، وتقرن به كلمات يتلفّظ بها من الكفر ، والفحش المخالف للشرع ، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشّياطين ، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء اللّه العادة أحوال غريبة في الشّخص المسحور . هذا ؛ وسمّي الأكل في اللّيل سحورا ؛ لأنه يقع خفيّا آخر اللّيل ، والسّحر بفتح الحاء : الرّئة ، وسميت بذلك لخفائها ، ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن ، كما قال أبو جهل الخبيث يوم بدر لعتبة : انتفخ السّحر ، أي انتفخت رئته من الخوف ، وقالت عائشة - رضي اللّه عنها - : توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين سحري ، ونحري . فِتْنَةٌ : ابتلاء ، واختبار من اللّه للنّاس ، فمن تعلمه كفر ، ومن تركه ؛ فهو مؤمن ، والفتنة : المحنة ، والاختبار ، ومنه قول الشاعر : [ المتقارب ] وقد فتن النّاس في دينهم * وخلّى ابن عفّان شرّا طويلا هذا ؛ والمعتمد : أنّ تعلّمه لدفع الضرر عن نفسه ، وعن غيره ، أو اتّخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله ؛ بقي على الإيمان ، فلا كفر باعتقاد حقيقته ، وجواز العمل به من غير إضرار أحد . انتهى من أبي السعود بتصرف ، وقد ذكر ذلك البخاريّ في باب الطّبّ ، انظر القسطلاني في شرح البخاريّ .